الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
56
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
وَلَوْ أَرَادَ اللَّهُ سبُحْاَنهَُ لأِنَبْيِاَئهِِ - حَيْثُ بَعَثَهُمْ أَنْ يَفْتَحَ لَهُمْ كُنُوزَ الذِّهْبَانِ وَمَعَادِنَ الْعِقْيَانِ وَمَغَارِسَ الْجِنَانِ - وَأَنْ يَحْشُرَ مَعَهُمْ طَيْرَ السَّمَاءِ وَوُحُوشَ الْأَرْضِ - لَفَعَلَ - وَلَوْ فَعَلَ لَسَقَطَ الْبَلَاءُ وَبَطَلَ الْجَزَاءُ وَاضْمَحَلَّتِ الْأَنْبَاءُ وَلَمَا وَجَبَ لِلْقَابِلِينَ أُجُورُ الْمُبْتَلَيْنَ - وَلَا اسْتَحَقَّ الْمُؤْمِنُونَ ثَوَابَ الْمُحْسِنِينَ - وَلَا لَزِمَتِ الْأَسْمَاءُ مَعَانِيَهَا - وَلَكِنَّ اللَّهَ سبُحْاَنهَُ جَعَلَ رسُلُهَُ أُولِي قُوَّةٍ فِي عَزَائِمِهِمْ - وَضَعَفَةً فِيمَا تَرَى الْأَعْيُنُ مِنْ حَالَاتِهِمْ - مَعَ قَنَاعَةٍ تَمْلَأُ الْقُلُوبَ وَالْعُيُونَ غِنًى - وَخَصَاصَةٍ تَمْلَأُ الْأَبْصَارَ وَالْأَسْمَاعَ أَذًى . وَلَوْ كَانَتِ الْأَنْبِيَاءُ أَهْلَ قُوَّةٍ لَا تُرَامُ وَعِزَّةٍ لَا تُضَامُ - وَمُلْكٍ تَمْتَدُّ نحَوْهَُ أَعْنَاقُ الرِّجَالِ وَتُشَدُّ إلِيَهِْ عُقَدُ الرِّحَالِ - لَكَانَ ذَلِكَ أَهْوَنَ عَلَى الْخَلْقِ فِي الِاعْتِبَارِ - وَأَبْعَدَ لَهُمْ فِي الِاسْتِكْبَارِ - وَلَآمَنُوا عَنْ رَهْبَةٍ قَاهِرَةٍ لَهُمْ أَوْ رَغْبَةٍ مَائِلَةٍ بِهِمْ - فَكَانَتِ النِّيَّاتُ مُشْتَرَكَةً وَالْحَسَنَاتُ مُقْتَسَمَةً وَلَكِنَّ اللَّهَ سبُحْاَنهَُ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ الِاتِّبَاعُ لرِسُلُهِِ - وَالتَّصْدِيقُ بكِتُبُهِِ وَالْخُشُوعُ لوِجَهْهِِ - وَالِاسْتِكَانَةُ لأِمَرْهِِ وَالِاسْتِسْلَامُ لطِاَعتَهِِ - أُمُوراً لَهُ خَاصَّةً لَا يَشُوبُهَا مِنْ غَيْرِهَا شَائِبَةٌ . « فلو رخّص اللّه في الكبر لأحد من عباده لرخّص فيه لخاصّة أنبيائه وأوليائه » لأن الكبر يكون عن كونه ذا كمال ، ولا كمال أكمل من كمالهم ، وأمّا أهل الدّنيا فناقصون من جهات ، وإن كان فيهم بعض الكمالات . « ولكنهّ سبحانه كرهّ إليهم التّكابر » مع مقامهم ذاك ، وقربهم من مالك السماوات والأرض ، وفي الخبر مرّت امرأة بذية بالنبيّ صلى اللّه عليه وآله وسلّم فقالت له : إنّك تجلس جلسة العبيد . فقال : أيّ عبد أعبد منّي ( 1 ) .
--> ( 1 ) الكافي للكليني 6 : 271 ح 2 ، والأهوازي في الزهد : 11 ح 22 ، والبرقي في المحاسن : 457 ح 388 ، ورواه الطبرسي في مكارم الأخلاق : 16 ، والنقل بالتلخيص .